السيد المرعشي

14

شرح إحقاق الحق

تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الصراط المستقيم . رواه النعمان بن أبي شيبة ، عن الثوري ، عن زيد بن حذيفة ، ولفظه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن تستخلفوا عليا وما أراكم فاعلين تجدونه هاديا مهديا يحملكم على المحجة البيضاء . رواه إبراهيم ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 )

--> ( 1 ) قال العلامة المعاصر الشيخ محمد العربي التباني الجزائري المكي في ( تحذير العبقري من محاضرات الخضري ) ( ج 2 ص 11 ط بيروت سنة 1404 ) : كلام الإمام الباقلاني في إمامة علي رضي الله عنه في كتابه التمهيد قال : فإن قال قائل : ما الدليل على إثبات إمامة علي وأنه أهل لما قام به وأسند إليه ومستحق لإمامة الأمة ؟ قيل له : الدليل على ذلك كمال خلال الفضل فيه واجتماعها له ، لأنه من السابقين الأولين وممن كثر بلاؤه وجهاده في سبيل الله وعظم عناؤه في الاسلام . وعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع ما له من القرابة الخاصة وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياه بنته وكريمته فاطمة رضي الله تعالى عنها ، وما روي فيه من الفضائل المشهورة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ( وسرد منها جملة وافرة ) ثم قال : هذا مع ما ظهر من إعظام كافة الصحابة له وإطباقهم على علمه وفضله وثاقب فهمه ورأيه وفقه نفسه وقول مثل عمر فيه ( لولا علي لهلك عمر ) وكثرة مطابقتهم له في الأحكام وسماع قوله في الحلال والحرام ، ثم ما ظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة من استدعائهم ومناظرتهم وترك مبادأتهم والنبذ إليهم قبل نصب الحرب معهم وندائه ( لا تبدؤوهم بالحرب حتى يبدؤوكم ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يكبس بيت ولا تهج امرأة ) ، وفي رواية ( ولا يكسر بيت ) ورده رحالات القوم إليهم وترك اغتنام أموالهم وكثرة ، تعريفه وندائه على ما حصل في قبضته من أموالهم وكثرة الأمر لابن عباس وغيره بقبول شهادة أهل البصرة وصفين إذا اختلطوا ووضعت الحرب أوزارها والصلاة خلفهم ، وقوله لمن سأل عن ذلك ( ليس في الصلاة والعدالة اختلفنا وإنما اختلفنا في إقامة حد من الحدود فصلوا خلفهم واقبلوا شهادة العدول منهم ) . . إلى غير ذلك مما سنه من حرب المسلمين ، حتى قال جلة أهل العلم : لولا حرب علي لمن خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة ، هذا مع ما علم من شجاعته وغنائه وإحاطته علما بتدبير الجيوش وإقامة الحدود والحروب وقوله ظاهرا من غير رد من أحد حفظ عليه إن قريشا تقول : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له في الحرب ، لله أبوهم ومن ذا يكون أبصر بها مني وأشد لها مراسا ، والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين وها أنا اليوم قد ذرفت على الستين ، ولكن لا إمرة لمن لا يطاع . . وقال الفاضل المعاصر الدكتور شعبان محمد إسماعيل الأزهري في ( التشريع الإسلامي ) ص 250 ط مكتبة النهضة المصرية : الإمامية ، وهم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام ، نصا ظاهرا وتعيينا صادقا ، من غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين ، قالوا : وما كان في الدين والاسلام أمر أهم من تعيين الإمام ، حتى تكون فارقته الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة ، فإنه إنما بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق ، فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملا يرى كل واحد منهم رأيا ، ويسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره ، بل يجب أن يعين شخصا هو المرجوع إليه ، وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه ، وقد عين عليا رضي الله عنه في مواضع تعريضا ، وفي مواضع تصريحا . أما تعريضاته : فمثل أن بعث أبا بكر ليقرأ سورة براءة على الناس في المشهد وبعث بعده عليا ليكون هو القارئ عليهم ، والمبلغ عنه إليهم ، وقال : نزل علي جبرئيل عليه السلام فقال : يبلغه رجل منك ، أو قال من قومك ، وهو يدل على تقديمه عليا عنه . ومثل أن كان يؤمر على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة في البعوث وقد أمر عليهما عمرو بن العاص في بعث ، وأسامة بن زيد في بعث ، وما أمر على علي أحد قط . وقال الأستاذ محمد أبو زهرة في ( الميراث عند الجعفرية ) ( ص 28 ط دار الرائد العربي - بيروت ) : ويستدلون على تعيين علي رضي الله عنه بالذات بما يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : أقضاكم علي . ولقد كلف النبي صلى الله عليه وسلم عليا قراءة سورة براءة يوم الحج الأكبر ، وقد كان أمير الحج أبا بكر الصديق رضي الله عنه : فتكليف علي دون أبي بكر دليل على استحقاقه الإمرة دونه ، وقد جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش أسامة وجعل فيه أبا بكر وعمر بإمرة أسامة ، ولم يجعل عليا في هذا الجيش ، ليكون بالمدينة ويتولى أمرها من بعده صلى الله عليه وسلم ، وأنه يلاحظ إنه ما كان علي تحت إمرة أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كان حيث ينفرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة يكون الأمير فيها دائما . ولقد عين النبي صلى الله عليه وسلم عليا بالنص ، وعلي عين بالنص من بعده الحسن ، والحسن عين الحسين وهكذا كل إمام يعين من يليه ، ولا يترك الأمر لمن بعده حتى لا يكون أمر الأمة سدى وتكون من بعده فوضى . وقد اتفق الإمامية على إمامة علي والحسن والحسين ، ثم اختلفوا من بعد ذلك في سوق الإمامة ، ولم يثبتوا على رأي واحد ، بل انقسموا فرقا عدة ، وقد أحصاها بعضهم نيفا وسبعين ، وأظهرهم وأبينهم أثرا في التاريخ الاسلامي فرقتان : هما الاثنا عشرية ، والإسماعيلية ، وكلتا الفرقتين تدينان بإمامة جعفر الصادق شيخ أبي حنيفة وصديقه ، وصديق مالك رضي الله عنه . الاثنا عشرية : والاثنا عشرية ، يرون أن الإمامة بعد الحسين لعلي زين العابدين ابنه ، ثم لمحمد الباقر ، ثم لجعفر الصادق ، وبعد جعفر الصادق ابنه موسى الكاظم ، ثم لعلي الرضا ، ثم لمحمد الجواد ، ثم لعلي الهادي ، ثم للحسن العسكري ، ثم لمحمد ابنه ، وهو الإمام الثاني عشر ، ويعتقدون أنه دخل سردابا في دار أبيه بسر من رأى وأمه تنظر إليه ، ولم يعد بعد ، وهو المهدي المغيب ، ويترقبون ظهوره كل حين ليحكم ويملأ الأرض عدلا . وإن هؤلاء الاثنا عشرية يسمون أنفسهم الإمامية ، ويكادون يقصرون الاسم عليهم ، كما يسمون أنفسهم جعفرية نسبة إلى الإمام جعفر الصادق ، لأنهم يأخذون بفقهه ، ويتبعون آراءه في العقائد وفي الأحكام الفقهية ، فهو إمامهم في الأصول وفي الفروع معا . وقال أيضا في كتابه ( تاريخ المذاهب الاسلامية ) ص 49 ط دار الفكر العربي : ويستدلون على تعيين علي رضي الله عنه بالذات ببعض آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتقدون صدقها ، وصحة سندها ، مثل : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، ومثل : أقضاكم علي ، ومخالفوهم يشكون في نسبة هذه الأخبار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . ويستدل الإمامية أيضا باستنباطات استنبطوها من وقائع كانت من النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر على علي أحدا من الصحابة قط ، حيثما انفرد عن رسول الله في غزوة أو سرية كان هو الأمير . بخلاف أبي بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة ، فإنهم كانوا أحيانا أمراء ، وأحيانا تكون الإمرة لغيرهم ، وليس أدل على ذلك من جيش أسامة الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم من بعده فقد كان فيه أبو بكر وعمر ، وأنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثهما في جيش أسامة لكيلا ينازعا عليا في الخلافة التي أوصى بها في اعتقادهم . ويقولون أيضا عندما جعل أبا بكر أمير للحج ، ونزلت سورة براءة أرسل عليا ليتلوها على الناس في موسم الحج ، ولم يجعل ذلك لأبي بكر ، مع أنه كان الأمير . وقال الفاضل المعاصر الدكتور محمد عجاج الخطيب في ( المختصر الوجيز في علوم الحديث ) ص 203 ط مؤسسة الرسالة سنة 1407 : إن كل من قاتل عليا عالما فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجهم على الإمام الحق . وقال الدكتور حسن حنفي في ( من العقيدة إلى الثورة - الإيمان والعمل - الإمامة ) ج 5 ص 217 ط مكتبة المدبولي ) : يذكر الشيعة عدة نصوص لإثبات تعيين النص لعلي منها : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ويرونها خاصة في علي وليست عامة في كل المؤمنين ، الشرح ص 765 - 776 ، المغني ح 20 ، الإمامة ص 133 - 139 ، وقد نزلت الآية في علي وهو يصلي عندما سأله سائل فأعطاه خاتمه راكعا ، الطوالع ص 244 ، والولي هو النصار أو المتصرف أي الإمام ، المحصل ص 173 - 174 ، وكذلك ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وهي عامة وصحة الاستثناء عند الشيعة على الإمامة وعلي من أولي الأرحام ، وأيضا ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) مع أنه عموم وليس خصوص وعند أهل السنة المراد الناصر وليس المتصرف مثل تحرم آيات موالاة اليهود ، المواقف ص 404 - 405 ، وهو أيضا رأي هشام بن الحكم ، التنبيه ص 25 ، ص 30 ، وأيضا ( وإن تظاهرا عليه فإن الله مولاه وجبريل وصالح ) وصالح هو أمير المؤمنين ، المغني ح 20 ، الإمامة ص 139 - 142 - ومن الحديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) الملل ح 2 ص 96 - 97 ، المحصل ص 174 - 175 ، الغاية ص 375 ، المغني ح 20 ، الإمامة ص 144 - 158 ، وفي صياغة أخرى ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من كنت مولاه . . ) وبالتالي يكون النبي قد ذكرهم بوجوب طاعته والانقياد له وذلك يوم غدير خم ، وفي صياغة أخرى ( اللهم وال من ولاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار ) وقد فهم عمر من ذلك الخلافة وهنأه وقال ( بخ بخ يا علي ! أصبحت مولى كان مؤمن ومؤمنة ) ، النهاية ص 493 - 494 ، ويرد أهل السنة على ذلك بأن المعنى المقصود من الموالاة هو التصرف والنصرة لابن العم والجار المظهر للحلف وليس الإمام واجب الطاعة ، فهو اسم مشترك ، التمهيد ص 169 - 172 ، الارشاد ص 421 - 422 ، الشرح ص 766 ، الغاية ص 378 - 379 ، وإن صح فهو خبر آحاد وليس خبرا متواترا ، الارشاد ص 421 - 422 ، المواقف ص 405 - 406 ، ولماذا لم يقل الرسول ذلك صراحة : هذا إمامكم بعدي الواجب طاعته فاسمعوا له وأطيعوا ، التمهيد ص 172 - 173 . وذلك مثل ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ، النهاية ص 494 ، المحصل ص 175 ، الغاية ص 374 ، ويرد أهل السنة على ذلك أن الرسول قد قال : إني استخلفتك على أهل المدينة ، في غزوة تبوك ردا على أهل النفاق وقولهم : أبغض عليا وخلاه . ومنزل هارون من موسى هو أنه شريك في حياته وليس بعد موته لأن هارون مات قبل موسى وخلفه يوشع بمائون ، التمهيد ص 173 - 175 ، الارشاد ص 422 ، الفضل ح 4 ص 112 - 113 ، الطوالع ص 234 ، الشرح ص 766 ، انتفاء التخصيص ، الغاية ص 377 - 378 - المواقف ص 406 ، شد الأزر به باستثناء المشاركة في النبوة مما يدل على الأفضلية لا على الإمامة ، استخلاف الرسول غيره مثل استخلاف أبي بكر في الصلاة ، وأسامة ، عموم اللفظ لا خصوصه ، المغني ح 20 ، الإمامة ص 158 - 180 ، وقد قال الرسول عن عائشة ( خذوا دينكم من الحميراء ) ، وقوله ( أفقههم في الدين ابن عباس ) ، وأيضا ( أعلمهم بالحلال والحرام معاذ ) ، الإمامة ص 182 - 185 ، وفي صياغة أخرى ( أنت أخي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ومنجز عداتي . وقد قال الرسول في الصحابة كثيرا من هذا في أبي بكر وعمر ، ومعظمها أخبار آحاد ، لم يظهر الاحتجاج بها يوم السقيفة بل انقاد علي لأبي بكر وعمر ، التمهيد ص 175 - 178 ، الغاية ص 375 - 478 ، المواقف ص 406 ، الإمامة ص 182 - 185 ، والنص يعني فيما يتعلق بالأصل وليس بالدنيا ، ففي صياغة ثالثة ( سلموا على أمير المؤمنين ، هذا خليفتي فيكم بعد موتي ، فاسمعوا وأطيعوا ) وهو من أخبار الآحاد ، الطوالع ص 234 . . وقال أيضا في ص 220 : وذلك مثل آية المباهلة ، فقد جمع الرسول عليا وفاطمة والحسن والحسين وذلك يدل على أنه الأفضل وأحق بالإمامة وهو المراد أيضا بآية ( وأنفسنا وأنفسكم ) ، ويرد أهل السنة بأن هذا في التفضيل وليس في الإمامة . كما أن عليا لم يكن في المباهلة . الإمامة ص 142 ، وأيضا حديث المؤاخاة ، فالقصد أمر زائد على الأخوة فقد آخى بين عليا وبين نفسه . . وعند أهل السنة يدل ذلك أيضا على الفضل والقرب لا على الإمامة . وقد آخى الرسول بين أبي بكر وعمر . وقد كان المهاجرون أهل ضيق فأراد المؤاخاة بينهم وبين الأنصار ، الإمامة ص 185 - 186 ، وكذلك آية ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) والطاعة للمعصوم وهو أجر المؤمنين وعند أهل السنة هذا خطأ لأن الطاعة ليست للمعصوم بل لموافقة إرادة الجماعة ، كما أن عليا ليس هو أولي الأمر ، الإمامة ص 142 - 144 س . قال أيضا في ص 221 نقلا قول النبي صلى الله عليه وسلم : من الذي يبايعني على روحه وهو وصيي وولي هذا الأمر من بعدي ؟ فبايعه علي وحده وكانت قريش تعير أبا طالب : لقد أمر عليك ابنك ، الملل ح 2 / 95 - 96 وأيضا : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، ومثل اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ، الإمامة ص 186 - 187 ، إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن نفترق حتى نرد علي الحوض ، مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، الإمامة ص 191 - 193 - ، ومن الآيات ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ، ويطهركم تطهيرا ) أي عصمتهم أي إمامتهم . وعند أهل السنة هذا عام في جميع المؤمنين ، مدح وتعظيم لا إمامة ، وأيضا ( إني جاعلكم للناس إماما قال ومن ذريتي ، قال لا ينال عهدي الظالمين ) فلا إمامة للظالمين بل المعصوم ، وعند أهل السنة هذا في مورد النبوة لا الإمامة ، الإمامة ص 193 - 195 . وقال الفاضل المعاصر الهادي حمو في ( أضواء على الشيعة ) ( ص 44 ط دار التركي ) : والإمامة موضوع رئيسي في سائر كتب علم الكلام لدى الشيعة بالخصوص - إلى أن قال : كغيرها من الوظائف الدينية التي عرف القضاء بها من الله ورسوله ، فليس للناس الخيرة في نفيها كما ليس لهم الخيرة في غيرها من سائر أحكام لا سلبا ولا إيجابا . وهناك كثير من النصوص الواضحة التي ساقوها على ألسنة أئمتهم في هذا المجال ومنها ما أسندوه إلى الإمام محمد الباقر سئل : ما الحاجة إلى الإمام ؟ قال : ليرفع الله العذاب عن أهل الأرض ، قال تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ( 33 - الأنفال 8 ) فقد استشهد إمامهم الباقر بهذه الآية التي تشير إلى النبي في معرض الإمامة لأن الإمامة في نظر الشيعة خلافة عن النبي ، قائمة مقامها إلا في نزول الوحي . ومنها ما نسبوه إلى الإمام جعفر الصادق ، رواه عن أبيه عن جده مرفوعا إلى النبي متلقيا إياه عن ربه من الحديث القدسي : يا محمد لم أترك الأرض إلا وفيها عالم يعرف طاعتي وهداي ويكون ظهوره فيما بين قبضة النبي إلى خروج النبي الآخر ، ولم أكن أترك إبليس يضل الناس وليس في الأرض حجة وداع إلى وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري ، وإني قد قضيت لكل قوم هاديا أهدي به السعداء ويكون حجة على الأشقياء . ومنها ما نقلوه من صحيفة السجاد زين العابدين : لم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيما ظاهر مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها ، ولولا ذلك لم يعبد الله . وإذ قد سألوه كيف ينتفع الناس بإمام مستور ؟ أجاب : كما ينتفعون بالشمس إذا سترتها السحاب . وما رووه عن الإمام القائم يفسر نظريتهم في وجوب النص على الإمام دون تركه إلى انتخاب الناس أو اختيارهم : قيل له : أخبرني عن العلة التي تمنع الناس من اختيار إمام لأنفسهم ، قال : مصلح أو مفسد ؟ قيل : بل مصلح ، قال : هي العلة أبديها لك ببرهان يقبلها عقلك ، قال : نعم ، قال : أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى ثبت الاختيار ، ومنهم موسى وعيسى عليهما السلام ، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما ؟ إذا هما بالاختيار أن يقع خيرتهما عن المنافق وهما لا يظنان أنه مؤمن ؟ قيل : لا ، قال : فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا لم يشك في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين إذ قال عز وجل ( وأختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ) فلما وجدنا من قد اصطفاه الله تعالى للنبوة وقع على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن الاختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر ولا يعرف السرائر مفسدة وأن الأخطر اختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد من حيث أرادوا الإصلاح . ومنها ما رووه من كلام الإمام علي الرضى : الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثيل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهاب ، فمن ذلك الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره ؟ هيهات ، هيهات ، ظلت العقول وحارت الألباب وكلت الشعراء وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شؤونه أو فضيلة من فضائله ، وأقرت بالعجز والتقصير فكيف لهم باختيار الإمام : عالم لا يجهل وداع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة والنسك والزهد والعبادة مخصوص بدعوة الرسول ونسل المطهرة البتول . وقال الفاضل المعاصر الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه ( بنية العقل العربي ) ( ص 319 الطبعة الثالثة ، مركز دراسات الوحدة دراسات الوحدة العربية - بيروت ) : بعد سرد موقف أهل السنة في الإمامة : أما الشيعة فلقد كان لهم ولا يزال موقف مخالف تماما ( قالوا : ليست الإمامة قضية مصلحية ( أي من المصالح العامة الدنيوية ) تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم ، بل هي قضية أصولية وهي ركن من أركان الدين لا يجوز للرسول عليه السلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة وإرساله ( تركه مرسلا بدون تخصيص ) . ويجمعهم الشيعة : القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر . والإمامية منهم ، وهم أساسا الاثنا عشرية والإسماعيلية قالوا : وما كان في الدين والإسلام أمر أهم من تعيين الإمام حتى تكون مفارقته ( النبي ) الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة ، وإنما بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق ، فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملا يرى كل واحد منهم رأيا ويسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره ، بل يجب أن يعين شخصا هو المرجوع إليه وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه ، وقد عين عليا في مواضع تعريضا وفي مواضع تصريحا . ويلخص الشهرستاني هذه المواضع وتلك في الأمور التالية : فمن المواضع التي دل فيها النبي - في نظر الشيعة - على إمامة علي بن أبي طالب من بعد ، تعريضا وتلميحا : تقديمه إياه على أبي بكر في مناسبة ، وتقديمه بعض الصحابة على أبي بكر وعمر وغيرهما وما قدم أحدا على علي بن أبي طالب قط . ومن المواضع التي دل فيها النبي - دائما في نظر الشيعة - وبشكل صريح على أن عليا هو الخليفة من بعده ما صرح به حينما سأل أصحابه ، والإسلام ما زال ضعيفا في بداية أمره : من الذي يبايعني على ماله ؟ فبايعته جماعة ، ثم قال : من الذي يبايعني على روحه وهو وصيي وولي هذا الأمر من بعدي ؟ فلم يبايعه أحد حتى مد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يده إليه فبايعه على روحه ووفي بذلك . ومما يحتج به الشيعة في هذا الموضوع ما يروى من أن النبي خطب في الناس في موضع يعرف ب‍ ( غدير خم ) ، وكان عائدا من حجة الوداع ، وقد كل الاسلام وانتظم حاله ، فقال النبي : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار ، ألا هل بلغت ؟ قالها ثلاثا حسب الرواية ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب جماعة من الصحابة : أقضاكم علي ، قالوا : إن هذا قول فيه نص على إمامة علي ، فإن الإمامة لا معنى لها إلا أن يكون أقضى القضاة في كل حادثة والحاكم على المتخاصمين في كل واقعة . وإلى جانب هذه المرويات التي ذكرها الشهرستاني والتي لا ينكرها عموم أهل السنة ، ولكن دون أن يعتبروها تلميحا ولا تصريحا من الرسول على أن الخليفة من بعده هو علي بن أبي طالب ، تورد المصادر الشيعية نصوصا أخرى بعضها يشير بظاهر لفظه إلى أن الخليفة والإمام بعد النبي هو علي بن أبي طالب ، أو يلمح إلى ذلك تلميحا ، وبعضها يعتمدون في استخراج معناها ودلالتها على التأويل الباطني ومن هذا النوع الأخير ما يروى عن الإمام محمد الباقر ، الإمام الشيعي الخامس ، من أنه قال في تفسير آية النور : . . كمشكاة فيها مصباح : يعني نور العلم في صدر النبي . المصباح في زجاجة : الزجاجة صدر علي : علم النبي عليا علما يوقد من شجرة مباركة هي نور العلم . . ومن ذلك أيضا تأويلهم لقوله تعالى ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) إذ قالوا : المقصود بالنور هو محمد ، وبالكتاب : القرآن . وإن نور محمد يسري في الأئمة من وصيه علي بن أبي طالب إلى ذريته من بعده ولتأكيد هذا المعنى يروون عن النبي حديثا يقول فيه : إن الله خلقني وخلق عليا والحسن والحسين من نور واحد ، فعصر ذلك النور عصرة فخرجت منه شيعتنا ، كما يروون عن جعفر الصادق ، الإمام الشيعي السادس قوله : إن العلم الذي أنزل على آدم لم يرفع ، وما مات عالم إلا وقد ورث علمه ، وعن الباقر قوله : إن عليا كان عالما والعلم يتوارث ، وعن جعفر الصادق أنه سئل عن معنى قوله تعالى ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) ، فقال : المنذر رسول الله ونحن الهداة ، في كل عصر منا إمام يهدي الناس إلى ما جاء به رسول الله مما جهلوه ، وأول الهداة علي لنضف أخيرا ، وليس آخرا ، ما يروونه عن النبي من أنه قال : ليتولى الله عليا والأوصياء من بعده وليسلم لفضله فإنهم الهداة بعده ، لقد أعطاهم الله علمي وفهمي وجعلهم في صفي وأهلا لولايتي وللإمامة من بعدي . ولا شك أن الناظر إلى هذه المرويات والتأويلات من خارج الحقل المعرفي الشيعي سيقول إنها تحتاج إلى تأسيس ، إلى إثبات صحتها . . غير أن هذا الاعتراض لا معنى له داخل ذلك الحقل ، ما دامت هذه المرويات صادرة عن الأئمة والأئمة عندهم ، فضلا عن كونهم معصومين كالأنبياء إن لم يكن من جميع الأخطاء فعلى الأقل من الكبائر مثل الكذب ، فهم أولياء . والولاية في التصور الشيعي سلطة آلهية خص الله بها الأنبياء والأولياء سواء بسواء . ذلك أن كل الفرق بين النبي والولي ، حسب ما يروونه عن جعفر الصادق ، هو أن النبي يحل له من النساء أكثر من أربع بينما لا يحل ذلك للولي . أما ما عدا هذا فالولي في منزلة النبي يبلغ عنه ويتحدث باسمه ، وتعتبر تعاليمه من تعاليم النبي أو هي نفسها . ومن هنا يقرر علماء الشيعة أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير مائهم ( الأئمة ) ولا يصح أخذها إلا منهم ، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى غيرهم . . وإن في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم ولا يستضيئون من نورهم ، ابتعادا عن محجة الصواب في الدين . ومنهم الفاضل المعاصر علي إبراهيم حسن أستاذ التاريخ الاسلامي في ( التاريخ الإسلامي العام ) ( ص 218 ط مكتبة النهضة المصرية - القاهرة ) : ورغم ذلك فقد تخلف علي بن أبي طالب في مبايعة أبي بكر ، لاعتقاده بأحقيته عنه في الخلافة : فهو أول من اعتنق الاسلام من الصبيان ، وهو ابن عم الرسول ، وزوج ابنته فاطمة التي ولدت له الحسن والحسين ، كما أنه يمتاز بشجاعته وفروسيته ، وتأخرت بيعة علي لأبي بكر حتى قيل إنها حدثت بعد أربعين يوما من اختياره خليفة ، وقيل : إنها وقعت بعد ثلاث أشهر ، وفي رأي آخر أنها تمت بعد ستة شهور وناصر عليا في موقفه العباس وطلحة والزبير . ومنهم الدكتور أحمد الحصري أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر في ( الدولة وسياسة الحكم في الفقه الاسلامي ) ( ح 2 ص 157 ط مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة ) قال : وتخلف أيضا عن بيعته علي بن أبي طالب لأنه كان يرى أنه أحق منه بالخلافة ولم يبايعه إلا بعد وفاة زوجته فاطمة .